الفيض الكاشاني
394
أنوار الحكمة
ومنها : أنّ الموجودات الاخرويّة أقوى في الوجود وأشدّ تحصّلا في التجوهر من الحسّيات الدنياويّة - كما مرّ بيانه في مباحث عذاب القبر . ومنها أنّ الأجساد الدنيويّة أجسام لحميّة طبيعيّة مركّبة من أخلاط قابلة للتغيّرات والاستحالات ، معرضة للآفات ، والأجساد الاخرويّة ليست كذلك ، بل « لا يمسّهم فيها نصب ولا يمسّهم فيها لغوب » « 1 » لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [ 44 / 56 ] . وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ 2 / 62 ] . « جرد مرد مكحلون من أبناء ثلاث وثلاثين » « 2 » دائما . ومنها : أنّ الدار الآخرة لا فاعل ولا مؤثّر هناك إلّا الحقّ سبحانه ، إذ الأسباب المقابلة والعلل المتضادّة مرتفعة ، وكذا الموانع والقواسر والحجب منتفية ، فلا مالك إلّا هو الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ 22 / 56 ] . ومنها : أنّ الآخرة قريبة من اللّه ، يتكلّم فيها الإنسان مع اللّه ، وينظر إليه بعين قلبه ، وينظر اللّه إليه ؛ وهذه بعيدة من اللّه داثرة ذاتها . بائدة هالكة ذووها ، لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ [ 3 / 77 ] ؛ كما ورد في الحديث القدسي : « ما نظرت في الأجسام مذ خلقتها » ، وأما مكالمة الأنبياء عليهم السلام مع اللّه تعالى في الدنيا ، فهي من ظهور سلطان الآخرة على قلوبهم . ومنها : أنّ الآخرة نشأة الوجود والنور والإدراك والحضور والحياة والظهور ، وكلّ ما فيها حيّ مدرك كما ورد في الحديث « 3 » : « إنّ الأنواع من الفاكهة ليقلن لوليّ اللّه : يا وليّ اللّه كلني قبل أن تأكل هذا قبلي » . و « إنّ المؤمن إذا جلس على سريرة اهتزّ سريره فرحا » . وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [ 29 / 64 ] وهذه النشأة موصوفة بمقابلات ذلك . ومنها : أنّ النشأة الدنياويّة لضعف وجودها التدريجيّ يحتاج الإنسان ما دام فيها إلى مهد المكان وظئر الزمان ، وكلّ منهما لضعف وجوده غير مجتمع
--> ( 1 ) مقتبس من قوله تعالى : لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ [ 35 / 35 ] . ( 2 ) الترمذي : كتاب صفة الجنة ، باب ( 12 ) ، 4 / 683 ، ح 2545 . ( 3 ) الكافي : 8 / 99 ، ح 69 .